ابن عجيبة
558
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
أرسلناك لتنذر قوما غافلين ، ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ أي : غير منذر آباؤهم ، كقوله : لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ « 1 » وقوله : وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ « 2 » أو : لتخوف قوما العذاب الذي أنذر به آباؤهم ، لقوله : إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً « 3 » . أو : لتنذر قوما إنذار آبائهم ، وهو ضعيف ؛ إذ لم يتقدم لهم إنذار . فَهُمْ غافِلُونَ ، إن جعلت « ما » نافية فهو متعلق بالنفي ، أي : لم ينذروا فهم غافلون ، وإلا فهو متعلق بقوله : إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ لتنذر قوما ، كقولك : أرسلته إلى فلان لينذره فهو غافل . لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ، يعنى قوله : لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * « 4 » أي : تعلق بهم هذا القول ، وثبت عليهم ووجب ؛ لأنه علم أنهم يموتون على الكفر . قال ابن عرفة : إنذارهم مع إخباره بأنهم لا يؤمنون ليس من تكليف ما لا يطاق عقلا وعادة ، وما لا يطاق من جهة السمع يصح التكليف به ، اعتبارا بظاهر الأمر ، وإلا لزم أن تكون التكاليف كلها لا تطاق ، ولا فائدة فيها ؛ لأنّ المكلفين قسمان : فمن علم تعالى أنه لا يؤمن فلا فائدة في أمره بالايمان ؛ إذ لا يطيقه ، ومن علم أنه يؤمن فلا فائدة في إنذاره وأمره بالإيمان ؛ إذ لا يطيق عدمه . ه . قلت : الحكمة تقتضى تكليفهم ؛ لتقوم الحجة عليهم أو لهم ، والقدرة تقتضى عذرهم . والنظر في هذه الدار - التي هي دار التكليف - للحكمة لا للقدرة . ثم مثّل تصميمهم على الكفر ، وأنه لا سبيل إلى ارعوائهم ، بأن جعلهم كالمغلولين المقمحين في أنهم لا يلتفتون إلى الحق ، ولا يعطفون أعناقهم نحوه ، وكالحاصلين بين سدّين ، لا ينظرون ما قدّامهم ولا ما خلفهم ، بقوله : إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ ، معناه : فالأغلال واصلة إلى الأذقان ملزوزة إليها ، فَهُمْ مُقْمَحُونَ ؛ مرفوعة رؤوسهم إلى فوق ، يقال : قمح البعير فهو قامح ؛ إذا روى فرفع رأسه ، وهذا لأنّ طوق الغلّ الذي في عنق المغلول ، يكون في ملتقى طرفيه ، تحت الذقن ، حلقة ، فلا [ تخليه ] « 5 » يطأطئ رأسه ، فلا يزال مقمحا . والغل : ما أحاط بالعنق على معنى التثقيف والتعذيب . والأذقان والذقن : مجتمع اللحيين . وقيل : « فهي » أي : الأيدي . وذلك أن الغل إنما يكون في العنق مع اليدين . وفي مصحف أبى : « إنا جعلنا في أيمانهم أغلالا » وفي بعضها : « في أيديهم فهي إلى الأذقان فهم مقمحون » . وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا ، بفتح السين وضمها - قيل : ما كان من عمل الناس فبالفتح ، وما كان من خلق اللّه ، كالجبل ونحوه ، فالبضمّ ، أي : جعلنا الموانع والعوائق محيطة بهم ، فهم محبوسون
--> ( 1 ) الآية 3 من سورة السجدة . ( 2 ) الآية 44 من سورة سبأ . ( 3 ) الآية 430 من سورة النبأ . ( 4 ) الآية 13 من سورة السجدة . ( 5 ) ما بين المعقوفتين مطموس في النسخة الأم ، وغير موجود في غيرها من النسخ المعتمدة في التحقيق .